بدايات الحرب اللبنانية
اندلعت الحرب الأهلية عام 1975. وفي وقت كان فيه القتل يجري على الهوية، وضع كامل مهنا صورته على بطاقة هوية أحد أصدقائه المسيحيين.
كان مهنا يعبر منطقة الكرنتينا متوجهًا إلى تل الزعتر، ويصل إلى أشد أحياء النبعة حرمانًا لمعاينة المرضى. وعُيّن رئيسًا للجنة الصحية في المنطقة التي تضم برج حمود وسن الفيل والنبعة. وخلال أحداث عام 1976، أُغلقت الطريق بين تل الزعتر والنبعة، فبقي في النبعة وتولى إدارة مستشفى الإمام لخدمة المحرومين، بمساعدة فريق طبي من منظمة «أطباء بلا حدود».
وبفضل الإمام موسى الصدر ونقيب الأطباء الأسبق في لبنان فؤاد البستاني، التقى هناك برنار كوشنير، الذي كان آنذاك رئيس بعثة «أطباء بلا حدود» في لبنان. وعلى الرغم من خلافاتهما السياسية، نشأت بين كامل وبرنار صداقة صمدت أمام مرور السنوات واختلاف مساريهما؛ إذ انخرط أحدهما في الحياة السياسية لبلاده، فيما رفض الآخر الاستجابة لإغراءات السلطة وامتيازاتها.
أُصيب كامل مهنا جراء سقوط قذيفة بالقرب منه خلال معركة تل الزعتر، وكان يعاني أيضًا انزلاقًا غضروفيًا، لكنه واصل ممارسة مهنته رغم ذلك. وغادرت بعثة «أطباء بلا حدود» لبنان بعد شهر ونصف الشهر بسبب الحرب، بينما بقي مهنا حتى سقوط المنطقة، ثم خرج منها بمساعدة رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر والبروفيسور إرنست مجدلاني.
وبعد سنوات، ذكرت موظفة جزائرية في «عامل» أن منظمة «أطباء بلا حدود» أصدرت كتابًا من 1200 صفحة يروي بطولات أطبائها خلال مهمتهم التي استمرت شهرين في بيروت، لكنها اكتفت بسطر واحد عن كامل مهنا؛ في دلالة على ازدواجية المعايير في العمل الإنساني.
جمعية «النجدة الاجتماعية»
في عام 1976، بعد سنة على اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، أسّس كامل مهنا، مع مجموعة من المواطنات والمواطنين اللبنانيين، جمعية «النجدة الاجتماعية» الإنسانية، بهدف دعم النازحين من جنوب لبنان وتحسين الظروف المعيشية لسكان المخيمات الفلسطينية في لبنان. وأنشأت الجمعية مستوصفات ومراكز طبية للطوارئ.
لم يكن تأسيس هذه البنية الإنسانية الأولى انتقامًا، بل ردًا على المعاناة وتجاوزًا لها، حتى لا يضطر أحد إلى عيش ما عاشه. وكان هدف كامل مهنا الأساسي ضمان مستقبل أفضل، من خلال العمل على قدم المساواة، يدًا بيد [9].
وفي تلك المرحلة، كان مسؤولًا عن الشؤون الطبية في الضاحية الجنوبية لبيروت والمتن الشمالي والدامور ومناطق الجنوب، حيث أنشأ مستوصفات ومراكز طبية.
وفي عام 1978، شارك في تأسيس اللجنة الوطنية لأهالي الخيام، ثم افتتح مستوصفًا في منطقة صفير بالضاحية الجنوبية لبيروت لخدمة النازحين الذين استقروا فيها.
1979 • بداية جديدةعامل
سياق تأسيس «عامل» ونشأتها
في عام 1978، اجتاح الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان في إطار «عملية الليطاني». وكان منزل عائلة كامل مهنا أول منزل يُسوّى بالأرض، قبل أن يطال الدمار البلدة بأكملها. ويقول مهنا: «أول منزل فجّروه ونهبوه كان منزل عائلتنا، لأننا كنا رمزًا لعائلة فلاحية استطاعت أن تقاوم».
ودُمّرت بلدته الخيام لاحقًا بالكامل. ومن أصل 35 ألف نسمة كانوا يسكنونها، فرّ الجميع باستثناء 55 مسنًا لم يكونوا قادرين على التنقل. ويستذكر مهنا: «جمعهم الجيش الإسرائيلي، ووقعت مجزرة جماعية. لقد صدمني ذلك كثيرًا».
عندها قرّر، عام 1979، تأسيس جمعية «عامل» الإنسانية غير الطائفية، مع مجموعة من أصدقائه المثقفين والأطباء، تحت مظلة الحركة الوطنية اللبنانية. واختار اسم «عامل»، الذي يعني الشخص الذي يعمل، بالتشاور مع صديقه طلال سلمان. وبدأت الجمعية نشاطها الإنساني في المخيمات الفلسطينية، ولا سيما عام 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي الثاني وحصار بيروت.
وحظيت المبادرة بدعم رئيس مجلس الوزراء آنذاك، الدكتور سليم الحص، الذي تولى الرعاية العليا للجنة الوطنية لرعاية مشاريع المستشفيات.
انخرطت جمعية «عامل» في سلسلة من المشاريع شملت مستوصفات ومراكز طبية ومستشفيات ميدانية ودورًا للتوليد ومراكز لحماية الأم والطفل، وأخرى لتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة الجسدية، في بعض المناطق الأكثر حرمانًا، ولا سيما الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع وجنوب لبنان.
وافتُتح أكثر من 24 مركزًا تحقيقًا لهدف الجمعية الأساسي: ضمان تمتع الفئات الأكثر حرمانًا بالحق في الصحة. وبالتوازي مع البرامج الصحية، افتتحت «عامل» مراكز للتدريب المهني في حي الكرامة ووادي أبو جميل في بيروت، وصيدا وصور في الجنوب، والعين وبعلبك والهرمل في البقاع. كما أنشأت ثلاث رياض للأطفال في الشياح وبعلبك والهرمل.
اتساع الالتزام الإنساني
شهدت الجمعية انطلاقتها الكبرى عام 1982، خلال حصار بيروت إبان الاجتياح الإسرائيلي الثاني. وشُكّلت لجنة للإغاثة الطبية برئاسة وزير الصحة آنذاك، بمشاركة فاعلة من كامل مهنا.
تحرك فريق الجمعية بسرعة، وأنشأ ثلاثة مستشفيات ميدانية تحت الأرض في المصيطبة وحارة حريك ووادي أبو جميل، أسهمت في إنقاذ آلاف الأطفال وجرحى الحرب والمرضى. كما افتتحت «عامل» 27 مركزًا، واشترت 30 سيارة إسعاف.
3مستشفيات ميدانية تحت الأرض
27مركزًا
30سيارة إسعاف
وبالتعاون الوثيق مع وزارة الصحة، أدار كامل مهنا برنامجًا واسعًا للتعاون الطبي مع عدد من الدول، منها إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة والكويت، أتاح لأكثر من 450 طفلًا الحصول على الرعاية الطبية.
وخلال تولي برنار كوشنير منصب كاتب دولة في ثمانينيات القرن العشرين، نجح مهنا في إجلاء 1200 جريح إلى المستشفيات، وتنفيذ برنامج لتأهيل الأشخاص الذين تسببت الحرب بإعاقتهم، شمل تركيب 400 طرف اصطناعي بدعم من هولندا. وأسهمت هذه الجهود في تحقيق الهدف الأساسي للجمعية وإنقاذ آلاف الأطفال وجرحى الحرب والمرضى [9]. وأصبحت «عامل» إحدى أكبر المنظمات غير الحكومية في لبنان.
وبين عامي 1983 و1984، خلال النزاعات المعروفة بـ«حرب الجبل»، أنشأ مهنا مستشفيات ميدانية جديدة في الشياح وبرج البراجنة، إلى جانب مركز للإغاثة الطارئة والدفاع المدني في وادي أبو جميل، بدعم من منظمات مثل «أطباء بلا حدود» و«أطباء العالم».
وفي عامي 1986 و1987، أشرف على إنشاء مراكز جديدة للإغاثة الطارئة تابعة لـ«عامل»، بالتعاون الوثيق مع اللجان الشعبية والقطاع العام.
وفي عام 1989، حين كان لبنان يمر بمرحلة شديدة المأساوية خلال الأحداث المعروفة بـ«حرب التحرير»، أشرف على إنشاء مراكز طوارئ جديدة ومجموعات للدفاع المدني. كما ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بإرسال جرحى الحرب إلى الخارج.
وبين عامي 1989 و1991، أُجلي أكثر من 550 جريحًا إلى فرنسا والكويت، بالتنسيق خصوصًا مع برنار كوشنير، كاتب الدولة الفرنسي للعمل الإنساني، وجيل هنري تاردي، نائب القنصل ورئيس المكتب القنصلي في لبنان، الذي كان على تواصل وثيق مع السيدة الأولى اللبنانية منى الهراوي. وأتاح هذا التعاون إنقاذ العديد من الأطفال المصابين جراء الحرب.
إعادة إعمار لبنان بعد الحرب
بين عامي 1992 و1993، شارك كامل مهنا بفاعلية في إعداد البروتوكول الفرنسي اللبناني لعلاج 100 جريح حرب في مستشفى أوتيل ديو دو فرانس في بيروت، على نفقة الحكومة الفرنسية.
وكان قد انتُخب عام 1990 منسقًا عامًا لتجمع الهيئات الأهلية في لبنان والهيئات الأهلية العربية. وفي عام 1994، انتُخب نقطة اتصال إقليمية وعضوًا مراقبًا في اللجنة التنفيذية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. كما عُيّن، بموجب المرسوم الرئاسي رقم 6322، ممثلًا للمنظمات غير الحكومية في المجلس الصحي الأعلى. وفي العام نفسه، كُلّف بمتابعة قضية النفايات السامة في لبنان، وعُيّن منسقًا عامًا للجنة الإصحاح البيئي.
وبين عامي 1994 و1997، مثّل لبنان رسميًا في:
- القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في كوبنهاغن.
- اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي عُقد في نيويورك في آذار/مارس 1995.
- لجنة متابعة مؤتمر المنظمات الأهلية العربية في القاهرة، المعروفة بـ«الشبكة»، والتي تضم أكثر من 500 منظمة غير حكومية عربية؛ وانتُخب فيها ممثلًا للبنان، وشارك في أعمالها برئاسة الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود.
كرّست مرحلة ما بعد الحرب مكانة كامل مهنا بوصفه أحد الفاعلين الأساسيين في إعادة إعمار لبنان. واتجهت «عامل» إلى تنفيذ برامج تنموية، مع مواصلة استجابتها الطارئة في الجنوب والبقاع الغربي، اللذين كانا تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وفي عام 1996، أسهم بفاعلية في تنسيق جهود وزارتَي الصحة والشؤون الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية لمواجهة تداعيات العدوان الإسرائيلي. وخلال مرحلة ما بعد الحرب، ترشّح كامل مهنا مرتين للانتخابات النيابية.