الكرامة بوصفها فعلًا جماعيًا: محاضرة مثيرة للتفكير حول الثقافة والعمل الإنساني في بناء الإنسان وحماية الحرية

Share

محاضرة فكرية:
الكرامة بوصفها فعلًا جماعيًا
دور مؤسسة عامل الدولية في بناء الإنسان وصون الحرية
الدكتور كامل مهنا
رئيس مؤسسة عامل الدولية
منسق عام تجمع الهيئات التطوعية في لبنان
مسرح المدينة – بيروت

الأصدقاء والصديقات،
وأبدأ من حيث يجب أن يبدأ أي كلام عن الكرامة والحرية: من الثقافة، من المسرح، من هذا المكان الذي تصرّ الفنانة نضال الأشقر على أن يبقى مساحة تفكير وفن حر، ومنبراً لمقاومة اليأس والهزيمة، في زمن يُراد فيه للإنسان أن يستسلم ويتنازل عن حقوقه ليسلم، ولا يسلم!

شكرًا لمسرح المدينة، هذا الصرح العريق الذي لم يكن يومًا مجرّد خشبة للعرض، بل كان على الدوام مسرحاً للوعي والمعرفة والإبداع، ومنبرًا للأسئلة الصعبة، وملجأً للفكر الحر في بيروت ولبنان. هنا، حيث قاومت الكلمةُ القمع، وحيث واجه المسرحُ الاستعمار والرداءة والخوف، حافظت الثقافة على دورها كخط دفاع أول عن الإنسان.

وكل الشكر والتقدير والامتنان لسيدة المسرح، ابنة البيت المناضل، وواحدة من دروع الثقافة في وجه أعداء الوطن، وصوتٍ لم يهادن يوماً، وفكرٍ لم ينكسر، وحضورٍ جسّد معنى أن تكون الثقافة فعلًا سياسيًا أخلاقيًا، لا زينةً ولا ترفًا. نضال الأشقر ليست اسمًا في تاريخ المسرح فقط، بل تجربة نضال طويلة، أثبتت وتثبت أن الثقافة قادرة على حماية الحريات، حين تتخلّى عنها السياسة.

بعد هذا الشكر، اسمحوا لي أن أطرح سؤالًا بسيطًا في شكله، عميقًا في معناه: ماذا تعرفون عن “عامل”؟

ماذا تعرفون عن هذه الحركة التي أصبحت دولية بامتياز؟ كيف بدأت؟ ولماذا؟ ولأي غاية استمرّت وتستمر؟ ولأي الأسباب هي قادرة على الصمود؟

إن مراكز “عامل” التي يزيد عددها على الأربعين، وبرامجها المتنوعة، وعياداتها النقالة، ووحداتها التعليمية الجوالة، ومبادراتها التي ترعى الأطفال في أوضاع الشارع، تعمل اليوم بتناغم حيّ ومتواصل في معظم المناطق اللبنانية؛ تلك المناطق نفسها التي حملت آثار الحروب الأهلية، وذاكرةً مثقلةً بالألم، وعقدًا اجتماعيًا مكسورًا لم يلتئم بعد.

ومع ذلك، يلتقي الناس هناك على أمرٍ واحد: الثقة بعامل. يتعاونون معها، يعملون إلى جانبها، ويفتحون لها بيوتهم وقلوبهم، لأنهم يرون فيها شيئًا يتجاوز الخدمة والبرنامج والمشروع. يرون فيها معنى.

فما الذي تمثّله عامل بالنسبة إليهم؟ أهي مجرد مؤسسة؟ أم أنها، في العمق، مشروع مواطنة يُعاد بناؤه من القاعدة الاجتماعية، حيث فشلت السياسة وانكسر العقد العام؟

من هنا انا اليوم بينكم، لا لأعرض تجربة مكتملة أو نموذجًا جاهزًا، بل لنتأمل معًا هذه المسيرة، تجربة فيها الكثير مما يمكن أن نتعلّمه، وفيها، قبل ذلك، مساحة أوسع لما يمكن لكم أن تضيفوه إليها، لأن “عامل” لم تكن يومًا مشروعًا مغلقًا، بل حركة حيّة تتغذّى من الناس، وبهم تكبر.

“عامل” لم تولد من فائض قوة، ولا من قرار إداري، ولا من تمويل مبهر. وُلدت استجابةً لصرخة إنسان، اعتراضًا على الحرب الأهلية، وعلى منطق القتل والتقسيم. وُلدت رفضًا للطائفية والهويات الفرعية القاتلة، وإيمانًا بأن الإنسان لا يُختصر بانتمائه، وبأن الكرامة لا تُقسَّم ولا تُؤجَّل.

في العام 1979، حين كانت القذائف تمزّق الضواحي والمخيمات والقرى، لم ننتظر هدوء العاصفة. دخلناها. دخلناها كأطباء ومتطوعين ومثقفين، نحمل حقائب إسعاف وأفكارًا بسيطة وعميقة في آن: أن العمل الإنساني هو أصدق أشكال المقاومة، وأن التضامن ليس صدقة، بل فعل تحرّر. هكذا وُلدت “عامل” كحركة اجتماعية مدنية غير طائفية، لم تُنشأ لتوزيع المساعدات، بل لإعادة الاعتبار إلى الإنسان بوصفه قيمةً مطلقة، وبوصفنا نعمل على صون كرامته، وتوفير حقوقه، ونعي أن بناء عالم أكثر عدالة وأكثر إنسانية يحتاج إلى نضالات أناس لا يطلبون شيئًا لأنفسهم، ولا يبخلون على الآخرين بفيض عطاءاتهم، مهما كان الثمن، ومن غير أي مقابل.

منذ اللحظة الأولى، لم نفصل بين الإسعاف والتنمية، ولا بين المساندة والتغيير. دخلنا إلى الأحياء الشعبية، إلى الجنوب والبقاع وبيروت وضواحيها، حيث كانت الدولة غائبة أو مُغيَّبة. هناك، زرعنا أول مراكزنا، وأطلقنا مشاريع صحية وتعليمية وتنموية، ليس لأننا نملك الحلول الجاهزة، بل لأننا آمنا أن بناء الإنسان هو السياسة الحقيقية الوحيدة الممكنة، في بلد يتنازع عليه السياسيون.

فلسفة “عامل” كانت وما زالت بسيطة في عباراتها، عميقة في جوهرها: التفاؤل حرفة، والأمل صناعة، والاستسلام ليس قدرًا. من هنا، لم تكن “عامل” جمعية خدمات، بل حركة تغيير تحرّرية تعمل على بناء الإنسان وصون الحرية، لأنها تدرك أن الحرية لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالعقل، وبالوعي، وبالكرامة. نعم، “عامل” تخوض في جوهر الصراع السياسي، لكنها تفعل ذلك من موقع مختلف: من الأسفل إلى الأعلى، من الناس إلى السياسات، من الجرح إلى الفعل. نحن نؤمن أن التغيير الحقيقي لا يُفرض من فوق، بل يُبنى من القاعدة الاجتماعية.

في سنوات الحرب الأهلية، تركز دور “عامل” على إنقاذ الأرواح، وتقديم خدمات الطوارئ، والتضامن مع الإنسان أيًا كان انتماؤه. في المستشفيات الميدانية والعيادات المؤقتة تحت القصف، ترسّخت إحدى الركائز الأخلاقية الكبرى في فلسفتنا: الإنسان لا يُسأل عن هويته حين ينزف، والعدالة تبدأ من الميدان لا من المؤتمرات. بالتوازي، أُطلقت برامج تمكين المرأة والشباب، وحملات من أجل السلم الاجتماعي، وإنهاء الحرب، وحماية النسيج الوطني. منذ البداية، كان واضحًا أن الاستجابة ليست غاية، بل نقطة انطلاق لسؤال أكبر: لماذا تتكرر المأساة؟ ولماذا يبقى الظلم؟

بعد الحرب، ومع بداية التسعينيات، انتقلت “عامل” إلى توسيع برامج التنمية والتمكين، لتطاول شرائح أوسع ومناطق أكثر وتخصصات أعمق، مساهمةً في التنمية الريفية بكل مستوياتها. في هذه المرحلة، لم نكتفِ بتقديم الخدمات، بل أطلقنا مبادرات لترسيخ مفهوم المواطنة، وبناء ثقافة جديدة في المجتمع، وتكريس دور المجتمع المدني كقوة نقدية تُصوّب السياسات العامة. لم نكن بديلًا من الدولة، بل شريكًا نقديًا يذكّرها بأن وظيفتها الأولى هي حماية الإنسان.

مع مطلع الألفية الجديدة، بدأت “عامل” تكتسب بعدًا دوليًا، تقديرًا لجهودها في نقل قضايا الإنسان المحقة إلى المنصات العالمية، وتمثيل لبنان في المحافل الدولية. توسّعت شراكاتنا العالمية تحت شعار “شركاء لا أوصياء”، لأننا نرفض أن نكون تابعين، ونرفض أن يُختزل لبنان في صورة متلقٍ دائم للمساعدة. في هذه المرحلة، تحوّلت التجربة المحلية إلى معرفة قابلة للنقل، وبات على الوطن أن يكون منتجًا للمعنى لا مستهلكًا له.

ومنذ عام 2010 حتى اليوم، ساهمت “عامل” في قيادة المقاومة الإنسانية. وفي إطلاق حركة تضامن إنسانية عالمية مع الفئات المهمشة، ونقلت تجربتها إلى العالم ودول متقدمة، فأسّست فروعًا في أوروبا والولايات المتحدة، بالتوازي مع دورها في لبنان في احتواء أزمة اللجوء، والانهيار الاقتصادي، وجائحة كورونا، والحروب المتكررة، بعدما توطدت علاقاتها بالعديد من المؤسسات الإنسانية الدولية، وبناشطين مهمين في العالم، أبدوا رغبتهم في التعاون مع المؤسسة لنقل تجربتها، كأنموذج شرقي ناجح، إلى الغرب، فتكون بذلك أول مؤسسة إنسانية لبنانية، تخالف قاعدة تبعية الشرق للغرب، إذ السائد أن تفتتح مؤسسة غربية فروعاً لها في الشرق لا العكس، وقد ذهبت عامل في الاتجاه المعاكس، فباشرت نقل نموذج تجربتها إلى الغرب. هذا المسار أدّى إلى ترشيح “عامل” مرات متتالية لنيل جائزة نوبل للسلام، لا بوصفها تتويجًا، بل كاعتراف دولي بمسار تحرّري عابر للحدود، وهي اليوم مرشحة للسنة العاشرة على التوالي.

وهكذا، عبر تاريخ هذه التجربة كلّه، لم تكن الكرامة يومًا شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا خطابًا يُستدعى عند الأزمات، بل كانت فعلًا اجتماعيًا تحرّريًا يُمارَس يوميًا في التفاصيل الصغيرة قبل العناوين الكبيرة. الكرامة في مسار “عامل” لم تُختزل في الدفاع عن الحقوق على الورق، بل تجسّدت في كيفية الوقوف إلى جانب الإنسان حين يُهمَّش، وفي طريقة الإصغاء إليه بوصفه شريكًا لا متلقيًا، وفي الإصرار على أن يكون الفعل الإنساني أداة تحرّر لا إدارة بؤس. لقد تجلّت الكرامة في كل مركز فُتح في منطقة منسية، وفي كل عيادة نقالة وصلت إلى حيث غابت الدولة، وفي كل مبادرة أعادت للناس ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على الفعل. هي كرامة تُبنى جماعيًا، من خلال العمل المشترك، ومن خلال تحويل التضامن إلى ممارسة، والمساعدة إلى علاقة متكافئة، والاحتياج إلى فرصة لإعادة إنتاج المعنى. بهذا المعنى، لم تكن الكرامة حالة فردية ولا مطلبًا أخلاقيًا مجردًا، بل مسارًا تحرّريًا طويل النفس، يسعى إلى تحرير الإنسان من الفقر والخوف والتبعية، ويضعه في موقع الفاعل في مجتمعه، لا ضحيةً دائمة فيه. ومن هنا، تصبح الكرامة فعلًا سياسيًا بامتياز، لا لأنّها تسعى إلى السلطة، بل لأنّها تعيد تعريف السياسة نفسها بوصفها رعايةً للحياة، وبناءً للإنسان، وصونًا للحرية عبر الفعل الجماعي المستمر.

أيها الحضور الكريم

لنسأل أنفسنا، كيف صمد لبنان رغم كل ما مرّ عليه؟ ليس لأن اللبناني “يتأقلم”، بل لأن هناك قوة صامتة في المجتمع، تنبع من الناس العاديين، من قدرة مذهلة على تحويل الألم إلى قوة، والمأساة إلى صبر جميل. هذا هو الوجه الآخر للبنان، لبنان الذي لا يصرخ، بل ينهض، ويمكن رؤيته بوضوح في تجربة “عامل” التي وُلدت من رحم الحرب، لتصوغ أحد أجمل فصول الصمود الإنساني.

في قاموس “عامل”، الاستجابة ليست عملًا تقنيًا، ولا مجرّد ردّ فعل إنساني، بل موقف وجودي، وأول أشكال المقاومة، حين يسقط النظام العام. ونحن لم نتوقف عند الاستجابة، بل انتقلنا إلى الفعل البنيوي، إلى التنمية، إلى تفكيك أسباب الحاجة لا إدارة نتائجها. محدودية الإمكانات تحوّلت إلى مصدر إبداع دائم: عيادات متنقلة بدل المستشفيات المدمّرة، مدارس صغيرة بدل الصفوف المغلقة، مبادرات مهنية بدل الإعانات المؤقتة. الأمل، في فلسفتنا، ليس شعورًا، بل مهنة، والإبداع شكل من أشكال المقاومة.

من هنا، تحوّل العمل الإنساني في “عامل” إلى فعل سياسي تحرّري أخلاقي، لا حزبي، يربط بين العدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والمواطنة. وقد لخّصتُ هذا المسار بعبارة واحدة: الكرامة هي البرنامج السياسي الوحيد الممكن. فالتحرّر، في فكر “عامل”، ليس شعارًا، بل عملية اجتماعية تاريخية متواصلة، تحرّر من الفقر، ومن الجهل، ومن التبعية، ومن تحويل الإنسان إلى أداة في لعبة السلطة.

مع تراكم التجربة، تحوّلت “عامل” من نية نبيلة إلى حركة اجتماعية تحرّرية مكتملة السمات، تمتلك رؤية فكرية واضحة، وبنية تنظيمية، وهوية جماعية، وجمهورًا منخرطًا في مشروع تغيير طويل الأمد. بنيت هذه الهوية على ثلاث دوائر متداخلة: الإنسان أولًا، لأن لا طائفة فوق الكرامة؛ الوطن ثانيًا، لأن لبنان لا يُبنى إلا على قاعدة المواطنة؛ والإنسانية الجامعة ثالثًا، لأن العدالة لا تتجزأ.

وفي بلد أنهكته الطائفية والمحاصصة، مثّلت هذه المؤسسة نقيضًا أخلاقيًا وعمليًا لهذا النظام، فبنت نسيجًا إنسانيًا عابرًا للطوائف، وجعلت من كل مركز مساحةً للمواطنة، ومن كل متطوع فاعلًا اجتماعيًا، لا مجرّد منفّذ. ولم يتوقّف مسار “عامل” عند الحدود اللبنانية. فقد حملت هذه الحركة فكرها ومشروعها خارج الجغرافيا، وفتحت مراكز لها، وزرعت ثمار تجربتها في عدد من دول العالم، من أوروبا إلى الولايات المتحدة، وهي تتحضّر اليوم لتوسيع حضورها في مناطق أخرى. لم تذهب “عامل” إلى الخارج بحثًا عن اعترافٍ أو تموضع، بل نقلت معها تجربة الجنوب ولبنان بوصفها معرفة، والعمل الإنساني بوصفه فعلًا تحرّريًا.

في أوروبا، كما في غيرها، بُنيت الثقة مع “عامل” على وضوح الموقف لا على المساومة. فهي مؤسسة مناهضة للاستعمار في جوهرها، تحمل مفهوم “المقاومة الإنسانية”، وتسعى إلى تحرير العمل الإنساني من الفكر الاستعماري الذي حوّله في كثير من الأحيان إلى أداة ضبط لا أداة عدالة. من هذا الموقع، دخلت “عامل” إلى الغرب لا بوصفها تابعًا، بل كشريكٍ كامل الندية، تتعاون مع مؤسساته وحكوماته بما فيه خير الناس، وتُسخِّر هذه الشراكات في خدمة لبنان وقضايا الإنسان العادلة، من دون أن تقبل التفاوض على الحرية أو السيادة أو العدالة، لا في لبنان ولا في أي مكان في العالم.

ومن هذا الوضوح الأخلاقي تحديدًا، ميّزت “عامل” نفسها عالميًا، حين جعلت العمل من أجل القضية الفلسطينية، بوصفها القضية الإنسانية الأعدل في عصرنا، معيارًا أخلاقيًا للعمل الإنساني نفسه، في زمنٍ فضّل فيه كثيرون مسايرة الغرب والمموّلين وتحييد العدالة عن الفعل الإنساني. بالنسبة إلى “عامل”، لا يمكن التفاوض على ما هو حق، ولا يمكن فصل الإنسانية عن الموقف، لأن الكرامة، حين تُجزّأ، تفقد معناها، وحين تُساوَم، تتحوّل إلى شعارٍ فارغ.

عاشت عامل أصعب الظروف، وتمرست خوض حروب العمل الإنساني والاجتماعي والتنموي، بمهنية عالية، ومعرفة وافية للدور الذي تلعبه، واضعة نصب بصيرتها كرامة الناس الذين تذلهم آلة الحرب، وينهشهم جشع التجار، وتجرّحهم أنياب الرأسمالية المتوحشة… إن هذه المؤسسة التي لم تضعفها المصائب التي حلت بلبنان، جراء الحرب الأهلية اللبنانية، واجتياحات العدو، وموجات العنف التي كان يرسلها إلى لبنان، ثم موجات الإرهاب التي نشرت الرعب في أكثر من منطقة لبنانية… كل ذلك لم يجعلنا نستسلم أو نيأس، بل بقينا ننشر شراعنا، ونمخر عباب التجربة الإنسانية، متفائلين بالمستقبل. ثم لم تتناقص أعدادنا، بل زادتنا المِحَنُ إصراراً على متابعة الطريق الذي اخترناه منذ البداية، انتصاراً لكرامة الإنسان وحقه في حياة كريمة عادلة.

وأخيرًا، ما عرضته أمامكم اليوم لم يكن سردًا لتجربة ناجزة، ولا احتفاءً بمسارٍ مكتمل، بل محاولة لنقل دروسٍ مستفادة من رحلة طويلة في العمل الإنساني التحرّري، رحلة علّمتنا أن الكرامة لا تُمنَح، بل تُنتَزع بالفعل الجماعي، وأن التغيير لا يبدأ من المؤسسات الكبرى، بل من القناعات الصغيرة التي تتحوّل إلى ممارسات يومية. أردت من هذا اللقاء أن أضع هذه التجربة بين أيديكم، لا بوصفها نموذجًا يُحتذى حرفيًا، بل كمساحة تفكير مفتوحة، وكدعوة لكل واحدٍ منكم أن يسأل نفسه: أين أكون أنا من هذا المسار؟ وكيف يمكن لي أن أكون جزءًا من هذه التجربة، أو داعمًا لها، أو حتى مبادرًا إلى خلق تجربة شبيهة في بيئته ومجتمعه؟

إن مسؤوليتكم لا تقتصر على التعاطف أو الإعجاب، بل على الجرأة: الجرأة على تحويل الغضب إلى فعل منظم، والخيبة إلى مشروع، والسؤال إلى مبادرة. الجرأة على الخروج من موقع المتفرّج إلى موقع الفاعل، وعلى الإيمان بأن التغيير، مهما بدا صغيرًا، هو فعل سياسي وأخلاقي في آن. فـ”عامل” لم تكن يومًا ملكًا لجيلٍ بعينه ولا حكرًا على مؤسسة، بل كانت وما زالت دعوة مفتوحة لكل من يرفض الظلم، ويؤمن بأن الكرامة ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تُبنى بالصبر والعمل، وبأن بناء الإنسان هو الطريق الأصدق، والأكثر استدامة، لصون الحرية وصناعة مستقبلٍ يستحق أن نعيش فيه.

 

المزيد من المقالات

محطات من السيرة الذاتية