ياسر نعمة… المناضل الخلوق

Share

بقلم كامل مهنا

ظننت أنّ دمعي جف، لكثرة ما حزنت على أصدقاء أعزاء رحلوا في السنوات القليلة الماضية، لكنني وأنا الذي أوكلت نفسي أن أوزع التفاؤل على الأحبة، ورفاق العمر، ورفاق النضال… أفضّل أن أستعيد صورة ياسر نعمة البهية، صورة ذلك المناضل الذي كان همه أن يعمل ما يسعد الناس، والفقراء منهم وصغار الموظفين بخاصة، فيكون صادقاً صدوقاً، وفيّاً مع أصدقائه وأعزائه، وخادماً لهم.

عرفته من ستينيات القرن الماضي، أيام كنا طلاباً، ونقوم بتحركات مطلبية. كان يستقبلنا في مجلة «الحرية»، داعماً لنا وموجهاً، وفي مقدمة المناضلين الإعلاميين، هو الذي عمل في الصحافة يوم كانت الصحافة ساحة نضال لا يهدأ، وقصد جامعة القاهرة عام 1954، قاهرة عبد الناصر، زعيم مصر، أم الدنيا، في أوج غليان حركة التحرر العربي.

بالإضافة إلى عمله في الحرية الناصرية في ذلك الزمن، كتب في مجموعة من الصحف اللبنانية، فكان واضح التوجه والخط السياسي اليساري، والتفكير والهوية. كان مديراً لـ «الحرية»، عندما كنت أميناً عاماً لاتحاد الطلبة اللبنانيين في فرنسا، وصدر قرار بطردي من هناك. كان ياسر نعمة ومجلة «الحرية» من الداعين إلى التحرك لإبطال القرار، بل إن ياسر نعمة نفسه دعا إلى مؤتمر صحافي، يحمل عبره على القرار الجائر الذي صدر بحقي لأسباب سياسية، وكان نشاطه من الروافد التي صبت في حملة التضامن، وأدت في النهاية إلى إبطال القرار.

ثم عاودنا الاتصال والتواصل في لبنان، زمن الحضور القوي لمجلة «الحرية» والتفافنا حول برنامجها الوطني والقومي، قبل أن ينتقل إلى مشاركة الصديق الذي لا ينسى نضاله، طلال سلمان، في تأسيس «السفير»، والمساعدة في إطلاقها عام 1974، ويخوضان معاً مشوار عمر طويل من النضال الوطني، تخطّيا معاً خلاله الكثير من حواجز النار والأخطار ومحاولات الاغتيال.

ومثله مثل طلال سلمان، لم يكن ياسر نعمة يهاب وعورة الدرب، فتابع سيرته في «السفير»، لتصبح، بفضل إدارته ورئاسة تحريرها طلال سلمان، في طليعة الصحف اللبنانية والعربية. واستمر في «السفير» قرابة أربعين سنة، فكانت بيته الثاني، ومنطلقه لممارسة نضاله السياسي والنقابي، من أجل الفقراء وبسطاء الناس وأصحاب الحق، ودعم القضايا الوطنية والقومية، وكان يشارك طلال سلمان كل التفاصيل السياسية والمهنية.

لم يسهم ياسر نعمة في تأسيس «السفير» فقط، إنما كانت له ساحات نضال أخرى، في طليعتها حضوره الوازن في «مؤسسة عامل الدولية»، مؤسساً وداعماً وأميناً عاماً. وفي الأزمة التي شهدتها المؤسسة في إحدى مراحلها، كان ياسر نعمة السند الأساسي لمتابعة مسيرتها، والحفاظ على الإنجازات التي قدمتها لأهلنا في لبنان، وقد لعب دوراً مهماً في تبريد الخلافات وعقلنتها، والتطلع بعيداً نحو الهدف الإنساني السامي للمؤسسة، وضرورة استمرار نضالها.

كنت تمارس نضالك من أجل تحقيق العدالة للعاملين بكثير من الهدوء والتأني، لكنك تجابه من يسلبون حق الفقراء بلا هوادة، وبالكثير من الجرأة، تلك التي تسببت مرتين في اعتقالك، ولا أستغرب ذلك، فأنت ابن صور المناضلة عبر التاريخ، صاحب النهج الذي لم يهتز يوماً، نهج التغيير، ونهج دعم فلسطين في كل مراحل نكبتها وثورتها. صور التي بقي ياسر نعمة وفياً لها، ولم ينقطع عن زيارتها حتى في أحلك الظروف، متابعاً ومساهماً في أنشطة أنديتها، ومحيطاً بالمجالات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تعيشها.

لم تقتصر سيرته النقابية على رئاسة اتحاد عمال الطباعة والنشر في لبنان، بل تصدى لمهمة النضال النقابي على نطاق أوسع، بصفته عضواً في المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي العام في لبنان، ثم أميناً عاماً للاتحاد، فنائباً للرئيس، بالإضافة إلى كونه عضواً في المجلس الاقتصادي الاجتماعي، وسوى ذلك من الأنشطة التي تصب في مصلحة الوطن والإنسان، وفي تحقيق العدالة.

وكان على رأس التظاهرة النقابية الكبرى التي تجمعت في المتحف، من غرب بيروت وشرقها، عام 1987، بدعوة من المؤتمر النقابي العام، تطالب بإيقاف الحرب الأهلية اللبنانية.

إنها سيرة رجل في طليعة المناضلين، العاملين بإخلاص من أجل كل القضايا العادلة، ولاسيما فلسطين، التي نشاهد اليوم أبشع الجرائم التي ترتكبها صهيونية العالم بحقها، وأسوأ حروب الإبادة الجماعية والعنصرية والفاشية، التي لم يشهد التاريخ الحديث شبيهاً لها.

كان ياسر نعمة، من أوائل المناضلين القوميين الذين يعتبرون فلسطين قبلة نضالهم، إن في العصر الناصري الذي واكبه في شقيه العربي والفلسطيني، ثم مناصراً للمقاومة الفلسطينية، وصولاً إلى عصر الهزائم المغلفة بصمت الأنظمة العربية، والجرائم التي تهز أسماع العالم وأبصاره.

نُشرت في جريدة “الأخبار” يوم الأربعاء، 6 آب 2025، العدد رقم 5559.

 

المزيد من المقالات

محطات من السيرة الذاتية